محمد بن علي الشوكاني
5303
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
كان كذلك والسرور بملاقاته من الأغراض الدنيوية المحضة ، فعرفت أن الأحزان والهموم المتوجه من بعض نوع الإنسان إلى بعض على الدنيا ولها وفيها . وقد كشف هذا المعنى حكيم الشعراء أبو الطيب المتنبي ( 1 ) حيث يقول : كل دمع يسيل منها عليها . . . وبفك اليدين منها تخلى ( 2 ) ما أجود فكره ، وأحكم شعره ، وأدق نظره ! وبهذا التحقيق عرفت ما انطوى عليه ذلك الحديث الشريف من الإشارة إلى شرف هذه الخصلة ، وهي التحاب في الله ، حتى رفع لأهلها في دار الخلد منابر من نور تكريما لهم وتعظيما لقيامهم بنوع من الطاعات ، لا يقوم بها إلا من سبقت له [ 4 أ ] العناية الربانية . فإن قلت : صور لي صورة يصدق في مثلها الحديث فإنه لا بد من وجود من يتصف بهذه الصفة ( 3 ) ؛ لأن الحديث من باب الإخبار ، وأخبار الصادق يستحيل تخلفها ،
--> ( 1 ) في ديوانه ( 3 / 131 ) بشرح أبي البقاء العكبري . ( 2 ) هذا البيت من قصيدة يعزي فيها سيف الدولة بأخته الصغرى أنشدها في رمضان سنة 344 ، وهي من الخفيف والقافية من المتواتر . ومطلعها : إن يكن صبر ذي الرزية فضلا . . . فكن الأفضل الأعز الأجلا " الديوان " ( 3 / 123 ) . أما معنى البيت الذي استشهد به الشوكاني فيقول شارح الديوان ( 3 / 131 ) : يريد أن كل من أبكته الدنيا إنما يبكي عليها ، ولا يخلي الإنسان يديه عنها إلا قسرا . ( 3 ) نفتح أمامك صفحات مطوية . أخرج ابن أبي الدنيا في " الإخوان " رقم ( 162 ) : حدثني رياح بن الجراح العيدي ، قال : جاء فتح الموصلي إلى صديق له يقال له عيسى التمار . فلم يجده في المنزل ، فقال للخادم : أخرجي إلي كيس أخي ، فأخرجته له فأخذ درهمين ، وجاء عيسى إلى منزله فأخبرته الخادم بمجيء فتح وأخذه الدرهمين فقال : إن كنت صادقة فأنت حرة ، فنظر فإذا هي صادقة فعتقت . قال الإمام أحمد رحمه الله : لو أن الدنيا جمعت حتى تكون في مقدار لقمة ، ثم أخذها أمرؤ مسلم فوضعها في فم أخيه لما كان مسرفا . انظر : " طبقات الحنابلة " ( 1 / 106 ) . قال أبو سليمان الداراني : قد يعملون بطاعة الله عز وجل ويتعاونون على أمره ولا يكونوا إخوانا حتى يتزاوروا ويتباذلوا . انظر كتاب : " الإخوان " ( ص 127 ) .